أخبار عاجلةأخبار عربيةأخبار متنوعةمقالات

إعادة ترتيب الذات … مقال بقلم الدكتورة شيماء سلطان بستكي

إيسايكو: إعادة ترتيب الذات … مقال بقلم الدكتورة شيماء سلطان بستكي

ترتيب الذات يعني ترتيب الحياة، ويعني أن الإنسان يولد من جديد لينطلق إلى الحياة بروح جديدة وطاقة جديدة ورؤية جديدة لكل مفردات الكون، بما فيها من إنسان وحيوان ونبات وجماد. وترتيب الذات يكون حين يشعر الإنسان بالفوضى، أو أن حياته خارجة عن سيطرته، أو أن مهامّه تداخلت واضطربت، أو أن خُططه فشلت، ولا بد من تجديدها، أو أن السلبيات في حياته أكثر من الإيجابيات.. إلخ. وتكون الحاجة إلى إعادة ترتيب الذات مُلحّة، لا سيما في عصرنا المتسارع الإيقاع، والمملوء بالضغوط والمتطلبات. وقد مررنا جميعاً في هذه الحياة بمجموعة من التغيرات والمفارقات الإيجابية، كالدخول في حياة جديدة كعمل أو زواج أو أطفال أو مشروع، أو السلبية كالتعرض لفراق أو عثرة أو صدمة أو فشل.. إلخ. ومع جميع هذه التغيرات والمفارقات نحتاج إلى إعادة ترتيب الذات، ويكون ذلك بالوقفة الصادقة مع النفس، وإعادة التخطيط الجيد للأهداف، بل إعادة رسم الأهداف وتجديدها وفق المرحلة العمرية التي يمر بها الإنسان. وقد تسبق مرحلة إعادة ترتيب الذات مرحلة أخرى هي التأمل في ما مضى من العمر لأخذ العظة والعبرة منه، والنظر بعين الاعتبار إلى العثرات، والإفادة منها حتى نتجنبها في المستقبل. والتأمل عبادة عظيمة لا ينبغي للإنسان العاقل أن تخلو حياته منها، بأن يترجل قليلاً من مركبة الحياة السريعة ليخلو بنفسه بعيداً يتأمل حاله ويتدبّر موقعه في هذا الكون، وينظر في نجاحاته وإخفاقاته، وقد كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى غار حراء قبل البعثة، للتفكر والتأمل في الكون وأحوال النفس البشرية. من حق أنفسنا علينا أن ننسحب قليلاً من جنون هذه الحياة، لنعود بعد هذا الانسحاب أقوى وأعمق وأجمل مما كنا عليه من قبل. فهل أنت مستعد لإعادة ترتيب ذاتك؟ وهل أنت مستعد لجمع شتات نفسك؟ لابد لكل واحد منا من جلسات طويلة مع ذاته، نستمع فيها لأرواحنا، ونصغي لأعماقنا، كي تستعيد النفس توازنها واستقرارها وثباتها. وقد تكون هذه الجلسات بعد الصلاة، أو عند البحر، أو في مكان واسع مترامي الأطراف في الصحراء، أو في بستان… إلخ. ويشترط أن يكون المكان هادئاً لتحقيق الهدف المرجو من هذه الجلسات، وأن تغلق هاتفك، وأن تصطحب ورقة وقلماً لتدوّن كل ما يشغل بالك من أفكار متزاحمة ومشاعر مختلطة، فإنّ تدوين ذلك من عوامل صفاء الذهن ووضوح الأفكار والتخطيط الجيد لها. اكتب الخطوات والإجراءات الأساسية التي تراها مناسبة لك في بدء رحلة إعادة ترتيب ذاتك، ولا بد أن تكون هذه الخطوات قابلة للتقييم والتعديل والتطوير. ولا تنس وأنت تتأمل وتكتب ما يدور في ذهنك أن تضع إجابات حاسمة لهذه الأسئلة: ماذا أريد من هذه الحياة؟ كيف أحصل على ما أريده منها؟ متى يمكنني أن أحصل على ما أريده منها؟ ما الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك؟ وما المدة الزمنية المقترحة لتحقيق ذلك؟ اجلس مع ذاتك جلسة مصارحة حقيقية، ولا تخجل من مصارحتها بأشياء قد ندمت على فعلها من قبل. أغْلِق الملفات القديمة في حياتك التي أتعبتك، وافتح صفحات جديدة فيها، واعزم على البدء من جديد، حدِّد أهدافك، وضع خطوات عملية متدرجة لتنفيذها، ودائماً راجع أهدافك وطوّرها، وضع جدولاً زمنيّاً لمهامّ يومك، وتوكل على الله قبل كل شيء. وفي النهاية، لا بد أن تعلم أن الحياة ممتلئة بالصعوبات، ووقوفنا للحظات نرتاح فيها ونعيد ترتيب ذواتنا، إنما هو لالتقاط أنفاسنا، كي ننطلق بعد ذلك في حياة أجمل وأكثر ترتيباً ونظاماً ونجاحاً، بنفوس ملؤها الإيمان والثقة بالله تعالى.

الدكتورة شيماء سلطان بستكي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى