أخبار عربية

ما سر “الراحة” التي تبدو على وجوه البعض عند وفاتهم؟

[ad_1]

ما سر السعادة التي تبدو على وجوه البعض فور وفاتهم؟

مصدر الصورة
Javier Hirschfeld/ Getty Images

طرح يوران، وهو سويدي يبلغ من العمر 77 عاما، السؤال التالي: غالبا ما يبدو الموتى فور مفارقتهم للحياة وكأنهم نائمون، إذ يرتسم تعبير محايد على مُحياهم. لكن الغريب أن وجه أحد أقاربي – ممن كابد آلاما مبرحة في الساعات التي سبقت وفاته ولم يتلق الرعاية الطبية اللازمة – بدا مُشعا بتعبير عن النشوة بعدما لفظ أنفاسه الأخيرة.

على أي حال، ظللت لعقود أتساءل عما إذا كان من الممكن أن تكون لحظاتنا الأخيرة في الحياة مفعمة بالنشوة من عدمه، وهل يمكن أن تفضي سكرات الموت إلى تدفق هرمون الإندورفين في الجسم خاصة في ظل غياب مُسكِنات الآلام؟

في رأيي كخبير في ما يُعرف بـ “الرعاية التلطيفية”، أعتقد أن الاحتضار يبدو بمثابة عملية، تبدأ قبل أسبوعين من لحظة مفارقة المرء الحياة. خلال هذه الفترة، يتراجع الوضع الصحي لمن يوشك على الوفاة. فعادة ما يعاني هؤلاء كثيرا للسير، ويصبحون أكثر خمولا، وتقل فترات بقائهم متيقظين. وفي أيامهم الأخيرة، يصعب عليهم كثيرا ابتلاع أقراص الدواء، أو تناول الطعام أو احتساء المشروبات.

في هذه الفترة، عادة ما نقول كخبراء إن أشخاصا مثل هؤلاء دخلوا مرحلة “الاحتضار النشط”. ويسود اعتقاد بيننا بأن أمامهم يومين أو ثلاثة، قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة. لكن ذلك لا ينفي أن هناك من يمرون بكل هذه المراحل خلال يوم واحد فحسب.

في المقابل، يمكن أن يظل البعض على شفا الموت لنحو أسبوع قبل الوفاة، وهو ما يكون – في المعتاد – محزنا ومؤلما لذويهم إلى أبعد حد. ويعني كل ذلك أن الأمر يختلف من شخص لآخر، وأنه ليس بوسعنا التكهن، بما سيحدث مع هذا الشخص أو ذاك قبيل وفاته.

أما لحظة الوفاة الفعلية فلا تزال عصية على الفهم والتفسير. لكن دراسة لم تنشر بعد، أجرتها مجموعتي تشير إلى أنه مع اقتراب الناس من الموت، تزداد نسبة المواد الكيمياوية المرتبطة بالضغوط والتوتر في أجسادهم. كما ترتفع المؤشرات الخاصة بحدوث التهابات لدى المصابين بالسرطان، وربما عند غيرهم أيضا. وتتمثل هذه المؤشرات، في مواد كيمياوية تزداد نسبتها عندما يكون جسم الإنسان بصدد مقاومة عدوى ما.

ويشير صاحب السؤال إلى أن اللحظات السابقة مباشرة للوفاة، ربما تشهد تدفقا لهرمون الإندورفين لدى الموشك على الوفاة. لكننا في الحقيقة لا نستطيع تأكيد ذلك أو نفيه، لأن أحدا لم يستكشف من قبل إمكانية حدوث هذا الاحتمال. رغم ذلك، أظهرت دراسة تعود إلى عام 2011، أن مستويات السيروتونين، وهو مادة كيمياوية أخرى موجودة في الدماغ ويُعتقد أنها تسهم في الشعور بالسعادة، زادت بواقع ثلاثة أضعاف في أدمغة ستة فئران خلال احتضارها. ولذا ليس بمقدورنا استبعاد إمكانية أن يحدث للبشر شيء مماثل.

في كل الأحوال، يشكل استكشاف إمكانية حدوث ذلك أمرا مثيرا للاهتمام. ومن حسن الحظ أن لدينا التقنيات اللازمة للتعرف على مستويات مادتيْ الإندورفين والسيروتونين في جسم الإنسان.

مع ذلك، ثمة صعوبات لوجيستية تكتنف مسألة أخذ عينات بشكل متكرر من شخص ما في الساعات الأخيرة له على قيد الحياة، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بسحب عينة من الدم. بجانب ذلك، ليس من اليسير الحصول على تمويل لإجراء دراسة من هذا النوع. ففي المملكة المتحدة، خُصِصَ لأبحاث السرطان تمويل وصل إلى 580 مليون جنيه إسترليني خلال عاميْ 2015 و2016، بينما بلغ المبلغ الذي كُرِسَ لنظيرتها في مجال الرعاية التلطيفية خلال الفترة نفسها، أقل من مليونيْ جنيه إسترليني.

من جهة أخرى، ما من دليل يشير إلى أن العقاقير المُسكنة للألم مثل المورفين تمنع إفراز الإندورفين. كما أن الألم لا يمثل بالضرورة أمرا مرتبطا بلحظات الوفاة. فملاحظاتي ونقاشاتي مع زملائي، تشير إلى أنه إذا لم يكن المتوفى يعاني من آلام مبرحة قبل دخوله مرحلة الاحتضار وسكرات الوفاة، فلن يكابد تلك الآلام على الأغلب خلال هذه المرحلة. في واقع الأمر، لا نعلم السبب في ذلك، وربما يكون مرتبطا بإفراز الإندورفين في هذه اللحظات. لكن علينا هنا الإشارة من جديد، أن لا أبحاث أُجريت حول هذا الموضوع حتى الآن.

مصدر الصورة
Javier Hirschfeld/ Getty Images

Image caption

يمكن أن تساعد أدمغتنا على أن تقينا من الشعور بآلام مبرحة خلال اللحظات الأخيرة لنا في الحياة

علاوة على ذلك، هناك العديد من العمليات التي تحدث في الدماغ، ويمكن أن تساعدنا على التغلب على الألم المبرح، وهو ما يفسر عدم شعور الجنود في ساحات القتال بالألم، عندما يتم تشتيت انتباههم عنه. وأظهرت دراسة أُجريت في جامعة أكسفورد أن الأدوية الوهمية والمعتقدات الدينية، تلعب كذلك دورا كبيرا في التغلب على الآلام، وهو أمر يمكن أن يساعد فيه التأمل أيضا.

لكن ما الذي يمكن أن يؤدي لشعور المرء بالنشوة خلال احتضاره، بخلاف إمكانية تدفق الإندورفين في جسمه؟ قد يكون الأمر ناجما، عن أن الكيفية التي يتوقف بها عمل أجهزة الجسم في هذه المرحلة واحدا تلو آخر، تؤثر على الدماغ، ما يُخلّف تأثيرات كذلك على ما نشعر به في لحظة الوفاة.

وفي إحدى المحاضرات العملية، روت العالمة الأمريكية في مجال التشريح العصبي جيل بولت-تايلور كيف شعرت بالنشوة بل و”السكينة” و”السعادة القصوى” خلال تجربة دنت فيها من الموت، بعدما توقف الجانب الأيسر من مخها عن العمل، بسبب إصابتها بجلطة، وهو النصف المسؤول عن التفكير المنطقي والعقلاني. المثير للاهتمام، أن حدوث إصابة في النصف الأيمن من المخ، يمكن أن يزيد أيضا من شعورك بأنك تقترب من قوة أعلى وأكثر سموا.

ويمكنني القول هنا إن الشخص المتوفى الذي يتحدث عنه السائل، ربما كانت لديه تجربة روحية عميقة. وأتذكر في هذا الشأن، لحظات وفاة جدي لأبي، إذ رفع خلالها يده وأصبعه وكأنه يشير إلى شخص ما. ويعتقد أبي – وهو كاثوليكي متدين – أن والده رأى في تلك اللحظات والدته وجدتي. وقد توفي جدي وعلى وجهه ابتسامة، ما أشاع شعورا بالاطمئنان العميق في نفس والدي.

ويعتبر البوذيون عملية الاحتضار مقدسة، إذ يؤمنون بأن لحظة الموت تُكسِب عقل المتوفى قدرات هائلة، ويرون أن انتقال المرء من الحياة إلى الموت، هو الحدث الأكثر أهمية في حياته.

لكن ذلك لا يعني أن المتدينين – بوجه عام – يمرون بلحظات أكثر راحة وربما بهجة عند الوفاة، مُقارنة بسواهم. فقد رأيت قساوسة وراهبات، وقد ارتسم قلق بالغ على وجوههم، خلال دنوهم من لحظة مفارقة الحياة. وربما يعود ذلك إلى شعورهم بالقلق، بشأن سلامة سجلهم الأخلاقي، وخوفهم مما سيواجهونه من حساب في “العالم الآخر”.

وليس بمقدور أحد أن يعرف مسبقا، من سينعم بوفاة هادئة من عدمها. وأحْسَبُ أن بعض من حضرت لحظات وفاتهم، لم يستفيدوا من مسألة تدفق الإندورفين في الجسم. فبوسعي هنا تذكر عدد من المرضى الشبان، الذين كنت أقدم لهم خدمات “الرعاية التلطيفية”، ممن كان من الصعب عليهم تقبل فكرة أنهم يموتون بالفعل، إذ كانت لديهم عائلات شابة، يوشكون على تركها. لذا لم يهدأ هؤلاء، أو يستقروا نفسيا على الإطلاق، خلال مرحلة الاحتضار.

أما من حضرت وفاتهم، ممن يمكن أن يكونوا قد مروا بمشاعر راحة أو سعادة جامحة، خلال اقترابهم من لحظات النهاية، فكانوا بوجه عام أولئك الذين تقبلوا فكرة الموت وحتمية حدوثه في نهاية المطاف. وقد تلعب الرعاية التلطيفية دورا مهما في هذا السياق. فقد كشفت دراسة أُجريت على مرضى سرطان الرئة، ممن تلقوا هذا النوع من الرعاية في مرحلة مبكرة من المرض، أنهم كانوا أكثر سعادة وعاشوا لفترة أطول.

وأتذكر في هذا الإطار، سيدة كانت تعاني من سرطان المبيض، وتعجز عن تناول الغذاء بشكل طبيعي، ما دفعنا لحقنها بالعناصر الغذائية الضرورية لها، عبر الوريد. وفي ضوء أن من يُتبع معهم هذا الأسلوب في التغذية، يصبحون عادة عرضة للإصابة بالتهابات خطيرة، لم يكن من المستغرب أن تسقط هذه السيدة ضحية لبعض من هذه الالتهابات، التي هدد عدد منها حياتها. وبعد ثاني أو ثالث التهاب من هذا القبيل، تغيرت شخصيتها، وباتت تشع سلاما وسكينة بشكل واضح، بل ونجحت في مغادرة المستشفى والعودة لمنزلها لفترات قصيرة. ولا زلت حتى الآن أتذكر حديثها لي، عن جمال مشهد غروب الشمس. دائما ما يبقى أشخاص مثل هؤلاء في ذهني، ويدفعونني على الدوام، للتفكير في حياتي وتأمل مجرياتها.

في نهاية المطاف، يتعين علينا الإقرار بأننا لا نعرف سوى القليل للغاية، عما يحدث خلال اللحظات التي يفارق فيها المرء الحياة، رغم مرور نحو خمسة آلاف عام على ظهور علم الطب. فحتى الآن، كل ما نستطيع فعله كأطباء، هو إخبارك بكيف يمكن أن يموت الإنسان غرقا أو بسبب الإصابة بأزمة قلبية، لكننا لا نزال عاجزين عن توضيح كيفية الوفاة، جراء إصابة المرء بالسرطان أو الالتهاب الرئوي مثلا، وأفضل ما يمكننا القيام به في هذا المضمار، يتمثل في وصف ما يحدث للمتوفى في تلك الحالة لا أكثر.

وتركز دراسة أُجريها في هذا الصدد، على محاولة تبديد الغموض الذي يكتنف عملية الاحتضار والوفاة، وبلورة نماذج افتراضية، للشكل الذي ستكون عليه الأسابيع والأيام الأخيرة من حياة المرء. وربما سيتسنى لنا بعد ذلك، أن نصل إلى مرحلة إجراء دراسات بشأن الدور الذي يلعبه هرمون الإندورفين في الساعات الأخيرة السابقة للموت، ما يجعل بوسعنا تقديم إجابة قاطعة، على السؤال الذي طُرِحَ في بداية هذه السطور.

ولعلنا هنا نتذكر ما ورد على لسان الدبلوماسي السويدي الراحل داغ همرشولد، الذي تولى منتصف القرن الماضي منصب الأمين العام للأمم المتحدة، إذ قال: “لا تسع وراء الموت، فسيجدك في كل الأحوال، بل اسعَ خلف الطريق، الذي سيجعل موتك بمثابة إتمام لمهمتك في الحياة”.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

[ad_2]

Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى