أخبار عاجلةمقالات

في ذكرى ميلادي الأربعين … بقلم الدكتور أحمد لطفي شاهين

إيسايكو: في ذكرى ميلادي الأربعين … بقلم الدكتور أحمد لطفي شاهين من فلسطين المحتلة

بالأمس وفي ذكرى يوم ميلادي بالتحديد وبالصدفة المطلقة حضرت حفلة تخرج لابن احد اصدقائي وهنأته بالتخرح وهنئني صديقي بيوم ميلادي ولكن لا اعلم لماذا قال لي ابنه  : انت يا عمي اكبر مني بعشرين سنة….. فضحكت منه وكررت تهنئتي له..
لكن كلمته كانت كالصفعة القوية وكأنه نبهني الى حقيقة غائبة عني  لم اكن اعلمها وشعرت فعلا بالفارق الزمني الكبير وربما كلمته هي السبب في كتابتي لهذا المقال فقبل سنوات كنت مثله بالجامعة ارتدي الجينز و السبورت وادّعي انه لا احد على وجه الارض مثلي .. سنوات مضت كأنها قبل يومين ولكن اليوم تغيرت الاحوال ولكل مرحلة عمرية تقاليد وتصرفات و بريستيج خاص ويجب على الانسان ان يحترم عمره من جميع النواحي
على مدار تاريخ حياتي لم انتبه الى رقم اربعين ابدا ولم يكن هذا الرقم يعني لي أي شيء ولا يحمل أي قيمة او معنى ابدا لكنني تفاجأت ان العمر سرق ايام حياتي وسنوات عمري وأيامي وفجأة وصلت الى سن الاربعين ولأول مرة في تاريخ حياتي يصلني هذا الكم من التهنئات بيوم ميلادي علما بأنني لا احتفل بيوم الميلاد ولا اؤمن بالاحتفال به ابدا ولو شاركت في أي احتفال من هذا النوع فإنني اشارك لأجل خاطر احد الأعزاء مجاملة فقط …
وفي مساء ذلك اليوم ( ذكرى ميلادي ) وبالصدفة المطلقة او هي ارادة الله تعالى كنت قد وصلت في القرآن الكريم الى سورة الأحقاف ووصلت الى هذه الآيات (( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) ))
توقفت وكأنني لأول مرة اقرأ هذه الآيات وكأنني لم اسمع بها ابداً ابداً من قبل.. شعرت ان ارادة الله تحمل لي رسالة بقراءتي لهذه الآيات في هذا التوقيت بالذات .. فسن الأربعين هو السن الوحيد الذي خصه الله في القرآن الكريم بدعاء مميز في تلك الآية الرائعة …  دعاء مؤثر جدا يشتمل على الشكر لله على ما مضى والتعهد بالاستمرار في عمل الصالحات واعلان التوبة وكأنها اخر فرصة للإنسان لكي يتوب.. فلو بلغ الانسان الاربعين ولم يكن تائبا وملتزما فمصيبته كبيرة…  ثم تتضمن هذه الآية ايضا الدعاء لله بأن يصلح الذرية و الاولاد وبعد ذلك يبشرنا الله انه سيتقبل احسن الاعمال ويتجاوز عن السيئات لمن بلغ الاربعين وهناك وعد من الله ان يجعلنا في اصحاب الجنة
ووعده صدق بلا شك ..انها دعوة من الله لنا نحن ابناء الاربعين لكي نقف ونتأمل ونتفكر ونحاسب انفسنا ونعلم اننا بدأنا العد التنازلي في الحياة فأنت صعدت الى سن الاربعين وقمة الشباب هي الاربعين ووصلتها…
والآن رغما عنك ستنزل عن القمة يوما بيوم الى المصير المحتوم..
في الأربعين يشعر الواحد منا وكأنه على قمة جبل ، ينظر الى السفح الأول الذي مشى عليه فيرى طفولته وشبابه . ويجد أن مذاقهما لا يزال في أعماقه ، ولكن يجب ان يدرك انه وصل الى القمة ويجب ان ينظر إلى السفح الآخر ليتأمل ما تبقى من مراحل عمره ويدرك كم هو قريب من النهايات  وانه يجب ان يعمل صالحا يرضاه الله له فلا مجال للغلط .
إن عمر الاربعين هو العمر الرائع الذي يكون الإنسان قادراً فيه على أن يفهم كل الفئات العمرية ويعايشها ويتحدث بمشاعرها فأنت تستطيع ان تتحدث مع الطفل ومع الشاب الصغير ومع من هم اكبر منك لأنك بعمر الاربعين وصلت الى سن الحكمة الحقيقية
بعد الأربعين سيبدأ الشيب يغزو شعرك ولحيتك إن لم يكن قد بدأ من قبل والشيب هو رسائل من الموت تذكرك بأنك اقتربت من النهاية وانه لم يبقى بعمرك اكثر مما مضى فاعمل صالحا يرضاه ربك
وفي الأربعين ستسمع لأول مرة من يناديك تلقائيا ( تفضل يا حج او يا والدي او يا عمي او يا خالي او يا جدي اذا كان ابنائك قد تزوجوا . قد تستغرب للنداء الجديد وتشعر بأنه غير لائق بك
فأنت تعتقد انك لا تزال صغيرا وتعيش وكأنك لازلت ابن العشرين لكن الواقع انك قفزت قفزة نوعية في حياتك وفجأة بلغت عمرا رائعا يجب ان تشعر بقيمته … ومن طرائف العمر في الأربعين  انه يلتفت لك من هم في الستين ليقولوا بحسد واضح :هنيئاً لكم مازلتم شباباً ، فيزداد استغرابنا ولكننا نرد عليهم بنفاق واضح ايضا: البركة فيكم انتم الشباب هههههه.
في الأربعين تبدأ أزمة تساؤلات منتصف العمر، بالظهور أمام الإنسان :-
اذا كان متعلقا بالدنيا سيتسائل
ماذا أنجزت في عملك؟ – ماذا أنجزت لأسرتك؟ ماذا أنجزت في حياتك؟ ماذا عملت لمستقبل اولادك ؟؟ ماذا تركت لهم؟؟
وأما من كان مهتما بعلاقته مع الله سيتسائل ماذا أنجزت في علاقتك مع ربك؟؟ هل زرت الكعبة حاجا او معتمرا؟؟
فإذا لم ترجع لربك وقد بلغت هذا العمر فمتى ترجع يا بن آدم !!!؟؟
إنه سؤال يهز القلوب ويشغل التفكير .
فالمشكلة أن الأيام مرت أسرع مما توقعنا ،
كنا أثناء طفولتنا ننظر لمن في الأربعين على أنهم شبعوا من دنياهم ، أما اليوم فنرى أننا لم نحقق الكثير مما وضعناه لأنفسنا ، وأن السنوات تجري بنا ولا تعطينا فرصة لكي نصنع ما نريد .
في الأربعين ندرك القيمة الحقيقية للأشياء الرائعة التي تحيط بنا ، ننظر إلى والدينا إذا كانا موجودين أو أحدهما فنشعر أنهما كنز وعلينا أن نؤدي حقهما ونبرهما . كذلك ننظر إلى أبنائنا فنراهم قد غدوا كإخوة لنا ينتظرون صحبتنا .وكذلك ننظر إلى الإخوة والأصحاب فنشعر بسرور غامر لوجودهم حولنا، كما ننظر إلى تقصيرنا وأخطائنا فنرى أنها لا تليق بمن هو في الأربعين حيث يفترض منّا في هذا العمر الحكمة والتوازن .
في مرحلة الأربعين يبدأ الحصاد ، ونشعر حقيقة أننا كنا كمن كان يجري ويجري ، ولهث كثيرا واليوم بدأ يخفف من جريه رغما عنه  لأسباب كثيرة فالتغيير بعد الأربعين ليس بنفس سهولة التغيير ما قبل الاربعين .
في الاربعين تتغير نظرتك الى الحياة في جوانب كثيرة وتشعر انه ازداد رشدك فجأة وانك اصبحت انساناً جديداً يتوجب عليك تغيير اشياء كثيرة تبعا لذلك.. فلن تعد تهتم بأن تشتري ساعة فخمة غالية وقد تكتفي بساعة متواضعة لانك ادركت ان كلاهما يعطيك نفس التوقيت… ونفس الحال بالنسبة للمحفظة لن تهتم بنوعيتها لأنك ستهتم بمقدار المصروف اكثر من المحفظة نفسها حيث لا مجال للتفاخر والمباهاة بالمقتنيات فهذا زمن قد انتهى وكلما تقدم بك العمر وكبر اولادك وانشغلت عنك زوجتك بهم لن يهمك حجم البيت ولا مساحته طالما ان الشعور بالوحدة هو نفسه على كل الاحوال.. وستدرك اخيرا ان السعادة ليست في الامور المادية فقط بل السعادة الحقيقية  في القلب وفي ذكرياتك القديمة مع نفسك ووالدتك واخوانك واطفالك وزوجتك واصدقاء الطفولة  وستفرح جدا اذا التقيت بصديق قديم لم تقابله منذ سنوات وستبحث عن الاصدقاء القدامي لانك تبحث عن ذاتك في ذكرياتك مع اصدقائك وستكون الجلسة مع صديق قديم بمثابة ( السوفت – وير ) لعقلك وتفكيرك وستعود سعيدا جدا من لقائك معه

احبائي زملائي رفقاء دربي ..
لقد انتقل الى رحمة الله بعض زملائنا واستشهد البعض وبقينا نحن ولا اهدف من مقالي ان نتصرف كأننا عجائز لكن الهدف العام من مقالي ان نحترم عمرنا وان نستمر في عطائنا فنحن في هذا العمر في قمة النضوج وقمة القدرة على العطاء والتفاهم مع الجميع بحكمة وذوق
تحية تقدير واحترام لكل من جاوز الأربعين أو دنا من الأربعين او اقترب من الاربعين .. اقرؤوها بتمعن وخاصة الآية لتجدوا أنه ليس لنا عمل من بعد هذا السن إلا الرجوع إلى الله ان لم نكن رجعنا بعد وعلينا التحضير للقاء الله سبحانه وتعالى وشكره على ما أعطانا وسنستشعر فعلا  ان الثبات على الدين ونعمة  الصحة هما افضل منحة من الله لنا في سن الاربعين وعلينا ان نحافظ على انفسنا برياضة المشي اليومي على الاقل وعدم الانفعال والعصبية فلا يليق بعمرنا ولا بقدرنا حركات  ( الولدنة )….
وليس مهما ان نكون اغنياء لأن الاهم ان نكون سعداء  فأنت ستهتم بقيمة الاشياء ورمزيتها وتاريخها وليس مهما عندك ابدا ثمنها .. تقبلوا تحياتي جميعا

الدكتور أحمد لطفي شاهين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق