أخبار عاجلةسيكولوجية الأدب العربي

علم نفس الشعر وأهميته … بقلم الدكتور خالد محمد عبدالغني

إيسايكو: علم نفس الشعر وأهميته

تراث الدراسات النفسية للنثر والشعر العربى قليل، وبرغم أن له بداية مبكرة مع محمد أحمد خلف الله (1948م) فى كتابه “من الوجهة النفسية فى دراسة الأدب ونقده”، وبعده جاءت دراسة مصطفى سويف لدرجة الماجستير حول الأسس النفسية للشعر ولعملية الإبداع عامة، وتناول بالشرح والإيضاح مشكلة الإلهام والتسامى أو الإعلاء عند فرويد، والإسقاط عند يونح والحدس عند برجسون، وبين نقصها فى فهم عملية الإبداع الشعرى، لأنهم لم يدرسوا الظاهرة بالمنهج التجريبى المدقق، بقدر ما اعتمدوا على بعض الملحوظات الاستنباطية العابرة، كما قام بتصميم استخبار على أساس خطة دينامية تكاملية، وطبقه على مجموعة من الشعراء هم: “محمد بهجة الأثرى من العراق، وخليل مردم بك ورضا صافى ومحمد مجذوب من سوريا، ومحمد الأسمر وعادل الغضبان وأحمد رامى من مصر”، وقام أيضًا بتحليل مسودات ثلاث قصائد لعبد الرحمن الشرقاوى ومحمود العالم، وشرح المعالم الأولية لتفسير عملية الإبداع، وتوصل إلى أن ديناميات عملية الإبداع فى الشعر تتضمن: التجربة الخصبة التى يقف عندها الشاعر ليبدع، ثم ينتقل إلى لقاء التجربة السابقة التى عاشها الشاعر والتجربة الحاضرة، وتلتقى هاتان التجربتان داخل الإطار الذى يحمله وتنتظمان شيئًا فشيئًا فيكون من انتظامهما القصيدة التى نتلقاها، والخصائص الفراسية ووثبات الإبداع والحواجز، أو قيود الإبداع ونهاية القصيدة، وهذه الوثبة تطلع على الشاعر بأبيات منظومة، ونهاية القصيدة تتحدد بديناميات الفعل نفسه، فهو يحمل نهايته فى نفسه منذ البداية، ولذلك فسر المؤلف كيفية معالجة وحدة القصيدة على أسس موضوعية، ترتبط بموضوع التوتر لدى الشاعر، فهو يساهم بنصيب وافر فى تحديد الهدف والطريق إليه.

 إلا أن هناك قطيعة قد حدثت بعد هذه الدراسة، ولمدة تصل لثلاثة عقود تقريبًا، وتأخرت متابعة المسيرة إلى أن جاءت الجهود الرائدة فى التحليل النفسى للأدب، والتى قدمها فرج أحمد فرج فى دراسة الرواية والقصة القصيرة فقط دون العناية بدراسة الشعر، سواء ما كتبه أو أشرف عليه كأطروحات جامعية أو كتبها تلاميذه مؤتنسين برؤيته منذ نهاية السبعينيات وحتى رحيله فى عام 2006م، وشهدت فترة الثمانينيات طفرة فى دراسة الإبداع الأدبى والفنى، من خلال المنهج التكاملى الذى أسس لها يوسف مراد، وبالنسبة للشعر على وجه الدقة كانت دراسة مصرى حنورة (1985) “الدراسة النفسية للإبداع الفنى منهج فى تقويم الشعر”، وهدفت إلى معرفة أربعة جوانب كمحكات لدراسة الشعر هى: المحور الاجتماعى متضمنًا السياق الاجتماعى للمبدع والعمل، والمحور المعرفى متضمنًا الأصالة والمرونة والطلاقة، ومواصلة الاتجاه والمحور الوجدانى متضمنًا الدوافع والعواطف والانفعالات، وأخيرًا المحور التشكيلى الجمالى للعمل الفنى، وتم تطبيق تلك المحاور على قصيدة ” شنق زهران” لصلاح عبد الصبور، ودراسة المحلل النفسى المصرى الأصل والفرنسى الجنسية سامى على (1995) بعنوان: الحلاج “شعرية التصوف”، وقام بتحليل مجموعة من أشعار الحسين بن منصور الحلاج، ليؤكد أن وحدة الفكر والشعر لديه تقوم على خبرة للكل، تستهدف التعبير عن العلاقة الفريدة بالمطلق، تجمع بين تماهى الموت وأفق البعث للنفس والجسد، بين العقل ونقيضه، فالشعر عند الحلاج هو الصورة القصوى، التى يتخذها الفكر مؤقتًا قبل أن يصمت صمتًا نهائيًا، هو تخطٍ للذات لبلوغ ما لا سبيل إلى تخطيه، وقدم كاتب هذه السطور أربع دراسات حول التناص مع القرآن فى القصيدة المعاصرة، وعلاقته باللاشعور لدى الشاعر السورى عيسى الشيخ حسن، والشاعر المصرى الذى توفى بالكويت محمد يوسف، وقد سبق نشرهما فى مناسبات سابقة، وملامح النرجسية لدى المتنبى، وخلص إلى نتيجة مفادها أن المتنبى أحس بتفوقه وسط محيط اجتماعى، كان يحس فيه بنقص اجتماعى وشعور قوى بالدونية ومن ثم أصبحت مشاعر النرجسية تعويضًا عن هذا النقص، وتضميدًا لجرح الإحساس بالاضطهاد، “فالذات تمعن فى احتضان ذاتها، كلما أوغل الواقع فى إحباط النزعات الفردية”، إلا أن هذه النرجسية ليست سلبية دائمًا، خصوصًا وأن مفهوم الرجولة يتصدر قائمة القيم الاجتماعية فى القبيلة العربية، والاعتزاز بالأنا موضوع متواتر بشكل كبير فى الشعر العربى، وقد جاء المتنبى ليجسد “نرجس” الأسطورى فى أرض الواقع العربى، وهذا التجسيد الذى أفضى بالأنا حد التضخم يعد جانبًا مهمًا لإضاءة سر ارتباط العرب بشاعرهم المفضل، وبقية شعر المتنبى يغنى لنلمس تلك النرجسية، حتى قيل إن هناك بيتًا من الشعر قتل صاحبه، فخرج المتنبى يومًا إلى الصحراء وقابله عدو له فسأله ألست القائل…؟ فقال المتنبى “بلى” فقُتِلَ المتنبى فى حينه، وبهذا تحققت أبعاد الأسطورة، من حيث عشق الذات

وفى الدراسة الرابعة حول ديوان “غرف سرية للبكاء” للشاعر رضا ياسين، توصل كاتب هذه السطور إلى أن الشاعر اتجه لقصيدة النثر، لغياب المشروع القومى والهم الجامعى العام، فى بداية التسعينيات من القرن الماضى، وبرز الالتجاء للهموم الذاتية من مشكلات اقتصادية واجتماعية ووظيفية، وفقد الأمان والأصدقاء وهجر المحبوب.. إلخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق