أخبار عربية

فيروس كورونا: كيف سيغير الوباء معالم السفر جوا؟

[ad_1]

في قلب المناطق النائية في أستراليا، تقع بلدة أليس سبرينغز، التي يشار إليها محليا باسم أليس. ويعيش في هذه البلدة السكان الأصليون منذ نحو 30 ألف عام، لكن في الآونة الأخيرة وصل إلى بلدة أليس نوع جديد ومختلف من المستوطنين.

فمنذ أبريل/نيسان، تستقر بالبلدة الصغيرة أربع طائرات من طراز “إيرباص إيه 380″، تابعة لشركة الخطوط الجوية السنغافورية، يتجاوز وزن الواحدة منها 500 طن. وكشأن الكثير من شركات الطيران، أوقفت الشركة تشغيل جميع طائراتها تقريبا.

إذ أدى تفشي فيروس كورونا المستجد إلى انهيار الطلب على الرحلات الجوية، واضطرت شركات الطيران إلى البحث عن أماكن لصف طائراتها المتوقفة.

ويوفر مطار بلدة أليس الظروف المثالية لإيواء الطائرات، إذ يتضمن مدرجا طويلا لهبوط الطائرات التجارية، وتتمتع البلدة بطقس جاف، ما يعني أن وتيرة تآكل أجزاء الطائرة ستكون أبطأ بمراحل منها في جنوب شرق آسيا حيث الطقس شديد الحرارة والرطوبة المرتفعة.

لكن انخفاض الطلب على الرحلات الجوية ليس جديدا. ففي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، عزف الناس عن السفر جوا بسبب المخاوف الأمنية، مما دفع شركات الطيران إلى إلغاء الرحلات وتخزين طائراتها.

وقد تعافى قطاع الطيران من تلك الأزمة. ففي عام 2002 وصل عدد المسافرين إلى 1.63 مليار مسافر، أي أقل بنسبة طفيفة من عدد المسافرين في عام 2001، والذي وصل إلى 1.66 مليار مسافر. لكن أعداد المسافرين لا تكشف عن الصورة الكاملة لحالة القطاع.

إذ أجبرت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول شركات الطيران على تقليص نفقاتها من خلال منح الموظفين إجازات إجبارية أو تسريحهم أو الاندماج مع شركات أخرى. وبينما كانت تهيمن على سوق الطيران الأمريكي، الذي كان يحقق أعلى الأرباح عالميا، قبل الهجمات، ثماني شركات طيران، فقد باتت تهيمن عليه الآن أربع شركات فقط.

وأصبحت شركات الطيران بعد الهجمات أكثر حذرا، واعتزمت تعليق خطط التوسع، ومن ثم انخفض عدد رحلات الطيران إجمالا وأصبح عدد المقاعد المتاحة للمسافرين محدودا بسبب امتلاء الطائرات بالركاب.

وقد يتوقف تأثير جائحة كورونا المستجد على شركات الطيران ومدى إقبال الركاب على رحلات الطيران بعد انحساره، على بضعة عوامل.

بداية، يتأثر الطلب على الرحلات الجوية بالسياسة العامة للحكومات. ففي ظل انتشار وباء كورونا المستجد، قررت حكومات حول العالم حظر دخول الأجانب إلى أراضيها، حفاظا على الصحة العامة. وأوقفت بعض الدول، كالهند وماليزيا وجنوب أفريقيا إصدار تأشيرات للزوار.

وعلقت بعض الدول، مثل أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، إعفاء مواطني بعض الدول من تأشيرة الدخول إلى أراضيها وفق مبدأ المعاملة بالمثل.

ولم تؤد هذه القرارات إلى إلغاء خطط ملايين المسافرين فحسب، بل أيضا توقفت شركات الطيران عن خدمة سوق الطيران، الذي كان مربحا سابقا.

وقد تتطلب عودة الطائرات المتوقفة إلى السماء، تخفيف بعض القيود التي فرضتها الحكومات على دخول أراضيها، وإلا سيكون السفر بطائرات فارغة غير مجد ماليا.

وقد اتجهت بعض الدول إلى تخفيف القيود تدريجيا. إذ أعلنت حكومة جنوب أفريقيا مؤخرا عن خطوات لإعادة فتح قطاع السياحة في الدولة، لكنها لن تنطبق إلا على السياحة الداخلية، كخطوة مبدئية.

وقالت وزيرة السياحة في جنوب أفريقيا، مامولوكو كوبايي-نغوبانيه إن “قرار إعادة فتح الحدود سيتوقف على تقييم الأدلة العلمية، في إطار مسؤولية الحكومة لحماية أرواح المواطنين”. وقد تعكس كلمات وزيرة السياحة حرص الحكومات على إيجاد التوازن المناسب بين تحقيق الفوائد الاقتصادية للسياحة وبين حماية المواطنين من المخاطر الصحية لفيروس كورونا المستجد.

وتحايلت بعض الدول على قيود السفر بفكرة “فقاعات السفر”، التي تعرف باسم “الجسور الجوية” أو “ممرات فيروس كورونا”. إذ وافقت بعض الدول على فتح حدودها أمام دول معينة بموجب اتفاقات متبادلة، وإغلاقها أمام سائر الدول، على أن تكون الدول الموقعة على الاتفاق قد نجحت في احتواء الفيروس.

وبهذا تقلل الدول خطر انتقال المرض للمسافرين القادمين من الدول الموقعة على الاتفاق، وتمنع أيضا ورود حالات إصابة جديدة من الخارج.

وقررت الحكومة البريطانية بدءا من 10 يوليو/تموز فتح حدودها أمام المسافرين القادمين من أكثر من 50 دولة دون الخضوع لحجر صحي.

وقال رئيس الوزراء بوريس جونسون تعقيبا على القرار: “بدلا من إخضاع القادمين من جميع أنحاء العالم للحجر الصحي، سنفرضه فقط على القادمين من الدول التي لم تتمكن بعد من احتواء الفيروس”.

لكن نجاح فقاعات السفر سيتوقف على حسن نية المواطنين وأمانتهم. إذ تشترط المملكة المتحدة على القادمين من فرنسا على سبيل المثال، ألا يكونوا قد سافروا في الفترة الأخيرة إلى دولة لا يزال فيها المرض منتشرا (مثل الولايات المتحدة) ثم يسافروا بعدها بفترة وجيزة إلى إنجلترا عبر فرنسا. وقد يمثل هذا الوضع خطورة على الدول التي لا تضع نقاط تفتيش على الحدود بينها وبين الدول داخل الفقاعة، كما هو الحال في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وثمة اقتراح آخر، لكنه يتطلب وجود أدوات ومعامل للفحص السريع، يتضمن السماح للسلطات بفحص الركاب للتأكد من خلوهم من الفيروس وإخضاعهم للحجر الصحي إذا تطلب الأمر. وأجريت أبحاث من جامعة ستانفورد للتأكد من مدى جدوى هذه الفكرة.

وفي هذه الدراسة التي أجريت بالتعاون مع الحكومة التايوانية، يفحص الباحثون الركاب أثناء رحلة الطيران عبر المحيط الهادئ للتأكد من إصابتهم أو خلوهم من الفيروس. ويقول الباحثون إن الهدف هو تحديد الوقت الأنسب لرفع القيود على حركة الناس بعد إجراء فحص فيروس كورونا المستجد. وهذه الخطوة مهمة للدول التي ترى أن السفر جوا سيسهم في تحريك عجلة النمو الاقتصادي.

لكن نجاح هذه الخطوة سيتوقف على دقة التحاليل. فقد يقودك الحظ إلى الجلوس طوال الرحلة بجوار شخص أثبتت نتائج الفحص خلوه من الفيروس رغم أنه مصاب بالعدوى. إذ تشير دراسات إلى أن واحدا من كل ثلاثة مصابين قد يحصلون على نتائج سلبية مع أنهم حاملون للفيروس، أو ما يسمى بالنتائج السلبية الكاذبة.

ويعزو مورين فيران، أستاذ البيولوجيا بمعهد روتشستر للتكنولوجيا في نيويورك، ذلك إلى أن المصاب قد لا يُدخل أنبوب جمع المسحة من الأنف إلى العمق الكافي، أو أن العينة لا تتضمن ما يكفي من المادة الوراثية للفيروس.

ويقول إن المصاب إذا أجرى الفحص في وقت مبكر أو متأخر أثناء الإصابة بالعدوى قد يحصل على نتائج سلبية كاذبة، لأن خلاياه لن تحوي الكثير من الفيروسات.

لكن في حالة وجود لقاح، فإن الأمر سيختلف. إذ يعمل اللقاح على تقوية الآليات الدفاعية الطبيعية للجسم، ويقلل مخاطر الإصابة ونقل العدوى، وقد لا نحتاج لقيود على الدخول أو فقاعات سفر أو حتى فحوص الفيروسات.

غير أن تطوير الأمصال ليس سهلا، إذ استغرق تطوير لقاحات للملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية عقودا من البحث، واستغرق تطوير لقاح الحصبة نحو عشر سنوات، ولم ينتشر في الأسواق إلا بعد 50 عاما من رصد المرض من قبل مقدمي الرعاية الصحية في الولايات المتحدة.

وإذا عثر على لقاح لفيروس كورونا المستجد، سيستغرق إنتاجه على نطاق واسع وتوزيعه في جميع أنحاء العالم وقتا أطول.

وقد قررت شركات الطيران تقليل المزايا ووسائل الراحة والرفاهية التي كانت تقدمها للركاب، ولا سيما في مقصورة الدرجة الأولى، حتى إن بعض شركات الخطوط الجوية منعت توزيع المجلات والوسائد وأحيانا الوجبات على متن طائراتها.

فقد قررت الخطوط الجوية السنغافورية، التي اشتهرت بخدماتها المميزة للعملاء، الاكتفاء بتوزيع كيس يحوي وجبة خفيفة وماء للركاب وبعض المشروبات الخفيفة أثناء الصعود للطائرة، ومنعت توزيع الوجبات الساخنة على الركاب على متن الطائرة.

ولم يكن الدافع وراء هذه الإجراءات تخفيض التكاليف بقدر ما كان تقليل “نقاط التلامس” التي تهيئ الفرص لانتشار الفيروس بين المسافرين وطاقم الطائرة. إذ يتطلب تقديم الطعام للركاب في الأماكن المزدحمة التفاعل المادي بين الأشخاص، مما يسهم في انتقال العدوى.

وألزمت بعض شركات الطيران الركاب بارتداء كمامات وأقنعة واقية للوجه على متن طائراتها، مثل الخطوط الجوية القطرية. وذكر أكبر الباكر، الرئيس التنفيذي للخطوط الجوية القطرية، أن هذه التدابير ضرورية لكي “نضمن الحفاظ على صحة وسلامة الركاب وطاقم الطائرة”.

وربما تقتضي الحكمة أن يترافق انخفاض الطلب مع انخفاض في أسعار التذاكر، أي أن البحث عن تذاكر رخيصة سيكون سهلا في ظل انخفاض عدد الركاب إلى مستويات غير مسبوقة.

لكن في الواقع تتأثر أسعار التذاكر بعدد المقاعد المتاحة في الطائرات في سوق الطيران العالمي. وبما أن الكثير من الطائرات متوقفة عن العمل- إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 30 في المئة من الطائرات التجارية رابضة في مدارج الطائرات حول العالم- فإن عدد المقاعد المتاحة في الطائرات أصبح محدودا.

ويرى سيفيرين بورينستاين، الأستاذ بكلية هاس لإدارة الأعمال بجامعة كاليفورنيا، أن أسعار التذاكر ستظل معقولة لفترة، لأن أسعار الوقود منخفضة والطلب لا يزال أقل من سعة الطائرات. لكن إذا تأخر تطوير لقاح لفيروس كورونا، سترتفع أسعار التذاكر على مدى عدة سنوات.

وقد ترتفع أسعار التذاكر أيضا إذا أعلنت بعض شركات الطيران إفلاسها، بسبب قلة المنافسين في السوق. وقد حذرت شركة “بوينغ” لتصنيع الطائرات من احتمالات انهيار شركات طيران كبرى.

وأعرب رئيس طيران الإمارات تيم كلارك عن نفس المخاوف. وذلك لأن تشغيل شركات الطيران يعد مكلفا، إذ تصل تكلفة الطائرات الصغيرة، مثل بوينغ 737، إلى ما يزيد على 102 مليون دولار للطائرة الواحدة، هذا بالإضافة إلى تكاليف الوقود والتأمين والضرائب. وقد يصل إجمالي المصروفات السنوية إلى مليارات الدولارات، ولهذا تحتاج الشركات الطيران إلى أموال طائلة لئلا تنهار.

وقد تلجأ شركات الطيران لشحن البضائع من بلد لآخر أو الدخول في شراكة مع البنوك لبيع بطاقات ائتمان باسمها، كوسائل لجني الأرباح. لكن الوسيلة المثلى لا تزال ملء الطائرات بالركاب.

وتمثل حمولة الطائرة أهمية كبيرة لشركات الطيران الاقتصادي منخفض التكلفة، لأن هذه الشركات توفر تذاكر أقل سعرا مقارنة بمنافسيها، رغم أنها تتكبد نفس التكاليف. فقد يصل سعر رحلة الطيران ذهابا فقط على متن شركة “رايان آير” الأيرلندية إلى 37 يورو.

وتعوض شركات الطيران الاقتصادي انخفاض أسعار التذاكر بزيادة عدد الركاب في مقصوراتها. إذ تسع طائرة “رايان آير” 189 راكبا في الرحلة الواحدة. لكن الآن لم يعد هذا ممكنا في ظل إجراءات التباعد الاجتماعي.

إذ ذكر المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن التباعد الاجتماعي هو “أفضل وسيلة متاحة الآن لتفادي الإصابة العدوى وإبطاء معدل انتشار الفيروس داخل البلاد وخارجها”.

وصدرت قرارات في بعض الدول بإلزام شركات الطيران بشغل ثلثي مقاعد الطائرة فقط وترك الثلث فارغا. ويقول بورينستاين إن تخفيض معدل إشغال الطائرة قد يضر بشركات الطيران الاقتصادي، لأنها تعتمد على كثافة الركاب على متن الطائرة، ومن ثم تعد أكثر تأثرا بانخفاض الطلب. ولهذا عارضت شركات الطيران منخفض التكلفة هذا القرار بشدة.

ووصف غويلوم فوري، الرئيس التنفيذي لشركة “آيرباص” وباء كورونا المستجد بأنه “أفدح كارثة عرفها قطاع الطيران”. وذكر الاتحاد الدولي للنقل الجوي، أن القطاع “لا يزال في بداية طريق التعافي الطويل والعسير”.

والخلاصة، أن قطاع الطيران سيتعافي، لكن من المرجح أن السفر جوا لن يعود كسابق عهده.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على BBC Future

[ad_2]

Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى