الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل السلوك، ويصنع فرصًا حقيقية للفئات الخاصة … بقلم الدكتورة ابتسام النومس

إيسايكو: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل السلوك، ويصنع فرصًا حقيقية للفئات الخاصة … بقلم الدكتورة ابتسام النومس

قبل دخول الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل الحياة اليومية، كان سلوك كثير من الفئات الخاصة محكومًا بالقيود أكثر من الخيارات. فالتحديات التعليمية، ومحدودية فرص التوظيف، وصعوبة الوصول إلى الخدمات، كانت تفرض أنماطًا من الاعتماد على الآخرين، وتقلّص مساحة المبادرة الفردية، رغم ما تمتلكه هذه الفئات من قدرات وإمكانات غير مستثمرة. هذا الواقع لم يكن انعكاسًا لضعف في الكفاءة، بل نتيجة لبيئات غير مهيأة، وأنظمة لا تراعي التنوع الإنساني.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي وتوظيفه بشكل واعٍ، بدأت ملامح السلوك تتغير بصورة ملموسة. فقد أسهمت التقنيات الذكية في تعزيز الاستقلالية لدى الفئات الخاصة، وتحفيز سلوك المبادرة، وبناء الثقة بالذات. فإمكانية الوصول السهل إلى التعليم الرقمي، والعمل المرن، والخدمات الذكية، شجعت على المشاركة الفاعلة، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، مما انعكس إيجابًا على السلوك الفردي والاجتماعي.
في المجال التعليمي، انتقل سلوك المتعلم من التلقي المحدود إلى التفاعل والمشاركة، حيث أتاح الذكاء الاصطناعي أدوات تعليمية تكيفية تراعي الفروق الفردية، وتمنح المتعلم دورًا أكثر فاعلية في بناء معارفه. هذا التحول أسهم في تعزيز الانضباط الذاتي، والالتزام، واحترام الوقت، وهي سلوكيات أساسية في بناء رأس المال البشري المستدام.
أما في سوق العمل، فقد تغيّر السلوك المهني للفئات الخاصة من البحث عن فرص محدودة إلى المنافسة القائمة على الكفاءة والمهارة. فقد مكّنت التقنيات الذكية الأفراد من إدارة وقتهم، وتطوير مهاراتهم، والالتزام بمعايير الأداء، بما يعزز قيم الإنتاجية والمسؤولية المهنية. كما أسهم العمل عن بُعد في ترسيخ سلوكيات الاستدامة، وتقليل الاعتماد على التنقل والموارد، بما ينعكس إيجابًا على البيئة.
ويُعد هذا التحول السلوكي مدخلًا أساسيًا لتعزيز مفاهيم الحوكمة في سلوك الفئات الخاصة. فالمساواة تتجسد حين تتاح التقنيات الذكية للجميع دون تمييز، وتتحول إلى ممارسة يومية تعزز الشعور بالانتماء والعدالة. أما العدالة، فتتكرس من خلال حلول مخصصة تراعي الاحتياجات الفعلية، مما يدعم سلوك الالتزام بالقوانين والأنظمة، والشعور بالإنصاف.
وتسهم الشفافية في بناء الثقة بين الفئات الخاصة والمؤسسات، حين تكون آليات اتخاذ القرار واضحة ومفهومة، سواء في التعليم أو التوظيف أو الخدمات. هذا الوضوح يعزز سلوك المساءلة، ويشجع الأفراد على الالتزام بالمعايير الأخلاقية. أما النزاهة، فتنعكس في الاستخدام المسؤول للتقنيات الذكية، واحترام الخصوصية، وتجنب إساءة الاستخدام، بما يرسخ القيم الأخلاقية في السلوك الفردي والجماعي.
وفي إطار الاستدامة، يعزز الذكاء الاصطناعي سلوكيات واعية لدى الفئات الخاصة، تقوم على ترشيد الموارد، واعتماد الحلول الرقمية، والمشاركة في حماية البيئة. فالسلوك المستدام لم يعد خيارًا ثانويًا، بل جزءًا من ثقافة رقمية جديدة تسهم في تحقيق التنمية الشاملة.
وتنسجم هذه التحولات السلوكية مع رؤية دولة الكويت 2035، التي تركز على بناء إنسان منتج، مسؤول، ومشارك في التنمية. ويُعد تمكين الفئات الخاصة عبر الذكاء الاصطناعي استثمارًا في السلوك الإيجابي قبل أن يكون استثمارًا في التقنية، بما يعزز الحوكمة المجتمعية، ويؤسس لمجتمع أكثر عدالة وشمولًا واستدامة.
إن الذكاء الاصطناعي، حين يُوظف في إطار أخلاقي واضح، لا يغير الأدوات فحسب، بل يعيد تشكيل السلوك، ويصنع فرصًا حقيقية للفئات الخاصة، ويؤكد أن التنمية تبدأ من الإنسان، وتكتمل بتمكينه.
الدكتورة ابتسام النومس




