الإحسان والسلام النفسي … بقلم الدكتور أحمد لطفي شاهين

إيسايكو: الإحسان والسلام النفسي … بقلم الدكتور أحمد لطفي شاهين

معروف أن كل العلاقات الاجتماعية والإنسانية تهدف إلى إشباع حاجة نفسية عند الإنسان ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا كان الجميع يتعاملوا بالإحسان في كل العلاقات .. فالإحسان هو الأصل ، يقول رسول الله ﷺ (ليس الواصل بالمكافيء وانما الواصل من إذا قطعه الناس وصلهم)
بمعنى ان لا تردّ الزيارة بزيارة ، وان نبتعد عن مبدأ واحدة بواحدة، وان نتحنب النديّة في العلاقة طالما الطرف الاخر يوجد عنده عذر حقيقي يبرر تقصيره.. هذا إذا كنا نريد ان نحافظ على استمرار العلاقة من باب الإحسان . ويقول الله تبارك وتعالي في سورة البقرة ﴿وَأَنفِقوا في سَبيلِ اللَّهِ وَلا تُلقوا بِأَيديكُم إِلَى التَّهلُكَةِ وَأَحسِنوا
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحسِنين﴾ [ 195] هذه الآية القرآنية ربطت بشكل خطير بين ثلاث محاور مهمة جدا في التصالح مع الذات والإحسان وصولاً إلى السلام النفسي . . فالصدقة والإنفاق في سبيل الله ، هي انتصار للذات الايجابية على الذات التي تحب المال ، حيث تتهذب نفوس الاغنياء عندما يتنازلوا عن مبالغ من اموالهم طواعية لوجه الله تعالى وفي ذلك تصالح رائع مع الذات وتزكية للنفس أولاً قبل أن تكون زكاة عن المال .. وفي نفس الوقت تزكية لنفوس المحتاجين حيث يتم اشباع حاجاتهم الحياتية والاقتصادية وبالتالي يشعروا بالاكتفاء والرضى حتى ولو بشكل نسبي ، ومن ثم يزول الحسد من قلوب البعض ويزول الحقد الطبقي، ويتحقق السلام النفسي للطرفين عندما يشعر الفقير ان الاغنياء يتذكروه ويتبرعوا له بكرامة ، وكل هذه الامور تندرج في اطار التصالح مع الذات لأفراد المجتمع ويعم الاستقرار الاجتماعي في ظل التكافل والتكامل بين أفراد المجتمع الواحد وهكذا يكون المجتمع المسلم مشبع بالسلام من الداخل وهكذا نفهم لماذا قال الله ﴿وَلا تُلقوا بِأَيديكُم إِلَى التَّهلُكَةِ﴾ بعدما تحدث عن الإنفاق في سبيل الله حيث يكون المجتمع قوي جدا من الداخل والحب منتشر بين افراده والكل حريص على مصلحة الآخر والجميع يعيش وهو يشعر بالراحة النفسية والسلام النفسي والعدالة وهذا هو المفهوم التطبيقي للإحسان، فأنت عندما تُحسن للآخرين بشكل مباشر فإنك تُحسن لنفسك بشكل غير مباشر
يقول الله في سورة الإسراء ﴿إِن أَحسَنتُم أَحسَنتُم لِأَنفُسِكُم وَإِن أَسَأتُم فَلَها ..﴾ [ 7 ].. ان ما تقدمه للناس يرتد اليك .. وما تزرعه أنت سوف تجني ثماره أنت ، يقول الله في سورة الرحمن ﴿هَل جَزاءُ الإِحسانِ إِلَّا الإِحسانُ ؟﴾ [ 60] لقد سبق القرآن الكريم كل مدارس ونظريات علم النفس الاجتماعي في اطار تحقيق السلام النفسي داخل المجتمع من خلال تحقيق التصالح مع الذات .. وذلك عن طريق التعامل بالإحسان مع الآخرين .. بل إن قمة الرقي الإنساني ان تتعامل مع من يسيء لك بالإحسان والتسامح لوجه الله تعالى .. وكلنا قرأنا قصة رسول الله ﷺ مع جاره اليهودي الذي كان يسيء له ﷺ كل يوم ويلقي النفايات أمام باب بيته ﷺ وذات يوم لم يلقي اليهودي تلك النفايات كعادته فاستغرب رسول الله ﷺ وطرق بابه ليستفسر عن صحته فانهار اليهودي بالبكاء وأعلن اسلامه بين يدي رسول الله ﷺ وعندما سألوه لماذا أسلمت قال: “أسلمت خجلا من اخلاق رسول الله ﷺ “.. فهل نقتدي برسول الله ﷺ ونتعامل بالإحسان حتى مع من يسيء إلينا ؟ هل نرد الإحسان بالإحسان ام نرده بالجحود والنكران؟ ارجو ان نراجع أنفسنا وان نحاول ان نحسن لغيرنا بالمعاملات والصدقات والتسامح لوجه الله من باب الإحسان وان نتذكر هذه القاعدة الإجتماعية القرآنية :
﴿إِن أَحسَنتُم أَحسَنتُم لِأَنفُسِكُم وَإِن أَسَأتُم فَلَها …﴾ [الإسراء: 7]
ارجو ان يفيدكم ما كتبت
وأن يجعلنا الله وإياكم ممن يطبقون مباديء هذا الدين بشكل ممنهج وهاديء وحضاري لأننا كلنا مسؤولين (وبالتضامن) عن هذه الأمانة امام الله جل جلاله.
الدكتور أحمد لطفي شاهين




