التربية تحت الضغط: حين نُربي أبناءنا ونحن مرهقون … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

إيسايكو: التربية تحت الضغط: حين نُربي أبناءنا ونحن مرهقون … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

لم تعد التربية اليوم مهمة هادئة كما كانت في السابق، بل أصبحت ممارسة يومية تُنجَز تحت ضغط الوقت، وتسارع الإيقاع، وتعدد الأدوار التي يُطلب من الوالدين القيام بها في آنٍ واحد. هذا الضغط المستمر لا ينعكس فقط على الكبار، بل يتسرّب بصمت إلى الأبناء، ليشكّل جزءًا من خبرتهم النفسية المبكرة.
حين يكون المربي مرهقًا، تقل مساحة الصبر، ويضيق هامش الحوار، ويصبح ردّ الفعل أسرع من التفكير. في هذه اللحظات، قد تتحول التربية من عملية توجيه واعٍ إلى سلسلة من الأوامر، أو الانتقادات، أو الصمت الانفعالي. ومع تكرار ذلك، يتعلم الطفل أن مشاعره عبء، وأن الخطأ لا يُناقَش بل يُدان، وأن التعبير قد يقابل بالتجاهل أو الغضب.
تشير الممارسات الإرشادية إلى أن الأطفال لا يتأثرون فقط بما يُقال لهم، بل بالحالة النفسية العامة للمحيطين بهم. فالتوتر المستمر داخل الأسرة يخلق بيئة غير مستقرة نفسيًا، حتى وإن غابت مظاهر العنف الصريح. وقد يظهر أثر ذلك لاحقًا في شكل قلق، أو اندفاعية، أو سلوك عدواني، أو ضعف في ضبط الانفعالات.
لا يعني ذلك أن التربية المثالية خالية من التعب، بل إن الوعي بالتعب هو الخطوة الأولى نحو تربية أكثر توازنًا. فحين يعترف المربي بإرهاقه، ويسعى لتنظيم طاقته، ويمنح نفسه مساحة للهدوء، يصبح أكثر قدرة على الإصغاء، وأقل ميلًا للانفعال، وأكثر حضورًا في اللحظات التي يحتاجه فيها الطفل فعلًا.
إن جودة الحياة الأسرية لا تنفصل عن جودة الصحة النفسية للمربين أنفسهم. فالعناية بالنفس ليست أنانية، بل مسؤولية تربوية، لأن الطفل يتعلم من الطريقة التي نعتني بها بأنفسنا بقدر ما يتعلم من الطريقة التي نوجهه بها.
وفي ظل عالم سريع ومُنهِك، تبقى التربية الواعية دعوة للتخفف، ولإعادة ترتيب الأولويات، ولتذكير أنفسنا بأن الأبناء لا يحتاجون إلى والدين كاملين، بل إلى والدين حاضرين نفسيًا، حتى في لحظات التعب.
الأستاذة نوف خليفة الدوسري




