أخبار عاجلةمقالات

التكنولوجيا وتراجع التواصل الأسري … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

إيسايكو: التكنولوجيا وتراجع التواصل الأسري … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

لم تعد الأسرة اليوم كما كانت قبل عقدٍ أو عقدين من الزمن، حين كان الحوار اليومي عادةً لا تغيب، يجلس فيها الجميع حول مائدة الطعام أو في غرفة المعيشة يتبادلون القصص والآراء والضحكات. في عصر التكنولوجيا الحديثة، تغيّر المشهد تمامًا؛ فالشاشات أصبحت الرفيق الأقرب لكل فرد، والهواتف المحمولة امتدادًا لليد لا تفارقها حتى في اللحظات الحميمة داخل البيت.

لقد غيّرت التكنولوجيا نمط الحياة الأسرية، و مضمون العلاقة بين أفرادها كذلك . فبينما أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأهل والأبناء معرفة ما يجري في العالم، إلا أنها في المقابل حرمتهم من معرفة ما يجري في قلوبهم. صار الأب يتواصل مع ابنه عبر تطبيق، والأم تُرسل رسالة بدل الحديث، والأخ يُعبّر عن مشاعره برمز تعبيري بدلاً من كلمة صادقة.

لا يمكن إنكار ما للتكنولوجيا من إيجابيات عظيمة؛ فهي تسهّل التعليم، وتقرّب المسافات، وتمنح فرصًا للتعلم والانفتاح. ولكن حين يتجاوز استخدامها الحدّ المعقول، تتحوّل إلى جدارٍ صامت يفصل بين القلوب. فأشارت دراسات حديثة إلى أن التواصل اللفظي والوجداني داخل الأسرة تراجع بنسبة كبيرة، خصوصًا بين المراهقين ووالديهم، بسبب الانشغال المفرط بالأجهزة الذكية.

الخطير في هذا التحوّل أنه لا يقتصر على غياب الأحاديث العائلية، بل يمتد ليؤثر في بناء الشخصية نفسها. فالأبناء الذين ينشؤون في بيئة تغيب عنها لغة الحوار يفتقرون إلى مهارات التعبير، ويواجهون صعوبة في إدارة مشاعرهم أو تكوين علاقات اجتماعية متوازنة. وبالمقابل، الآباء والأمهات يفقدون القدرة على قراءة أبنائهم، فيغيب عنهم إدراك ما يمرّون به من ضغوط نفسية أو انحرافات سلوكية مبكرة.

إن الحلّ لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو التحذير منها فقط، بل في إعادة صياغة علاقتنا بها. فكما نعلم أبناءنا كيف يستخدمونها، يجب أن نعلّمهم أيضًا متى يضعونها جانبًا. يمكن للأسرة أن تضع قواعد بسيطة لكنها فعّالة، مثل تخصيص وقت يومي بلا أجهزة، أو إقامة أنشطة مشتركة تعيد روح الدفء إلى العلاقات. فاللحظة التي تُقضى في حديثٍ صادق تساوي مئات الرسائل الإلكترونية الباردة، فالتقنية لا تُلغى، لكنها تحتاج إلى ضبطٍ حكيم. إننا بحاجة إلى أن نعيد للتواصل الإنساني مكانته الطبيعية داخل البيت، وأن نتذكر أن التكنولوجيا مهما بلغت من تطوّر، لن تستطيع أن تحلّ محلّ نظرة عيون مليئة بالحب، أو كلمة دافئة تنبع من القلب.

فالتحدي اليوم ليس في امتلاك الأجهزة الحديثة، بل في أن لا تفقدنا إنسانيتنا وسط وهجها. فالعائلة هي الأصل، وإن ضاعت لحظاتها البسيطة، لن تعوّضها أي تقنية في العالم.

الأستاذة نوف خليفة الدوسري

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى