أخبار عاجلةأخبار عربيةأخبار متنوعةالتاريخ النفسيمقالات

التاريخ النفسي psychohistory .. بقلم الدكتور مرزوق العنزي

مقال من سلسلة مقالات للكاتب تتناول التاريخ النفسي

إيسايكو: مقال التاريخ النفسي .. بقلم الدكتور مرزوق العنزي.

 

التاريخ النفسي
‏psychohistory

يرتبط علم النفس بالعلوم الأخرى ارتباطا وثيقا، وقد كشفت تلك الارتباطات العلمية عن استحداث علوم واتجاهات لها دور فاعل في تطوير العملية التعليمية والتنمية البشرية، ومن ذلك .. علم التاريخ النفسي (psychohistory) التي تقوم منهجيته على التحليل النفسي إلى جانب التحليل التاريخي من خلال دراسة وتحليل الدوافع النفسية المحركة للأحداث التاريخية والجماعات والأفراد، حيث تناول العلماء من خلال هذا العلم الشيق والحساس جدا .. العديد من الأحداث التاريخية التي غيرت وجه العالم، كما تناولوا بالدراسة العديد من الشخصيات التاريخية ذات الدور الفاعل في مجريات تلك الأحداث المختلفة إلى جانب التركيز على سمات الشخصية القيادية التي يتمتعون بها، وكيف كانت حياتهم؟ وسيرتهم؟ وقراراتهم؟


وقد كانت لي شخصيا اجتهادات في مجال التاريخ النفسي تمثلت في: كتاب الشخصية القيادية نماذج من التاريخ الإسلامي الحديث والمعاصر، ومؤلفات مشتركة مع الأستاذ خالد الزعبي بعنوان كاظمة بوابة الفتوحات الإسلامية، ومجلس التعاون الخليجي، وخليجنا في سطور، والخليج العربي من التعاون إلى الاتحاد، وأيضا هناك مؤلفات قيد النشر مثل قصيباء القصيم، وإمارة الفجيرة، والاتحاد الخليجي في ضوء التاريخ النفسي، إلى جانب المشاركة في المؤتمر العلمي الدولي الخامس (الحضارة والتراث العربي والإسلامي إبداع وأصالة) بجامعة قناة السويس تحت محور الحضارة والتاريخ العربي والإسلامي عبر العصور، من خلال بحث بعنوان: سيكولوجية العمل الخيري الذي تناولت فيه من خلال التحليل النفسي بعض العناصر المتعلقة بالعمل الخيري ومنها الشخصية الخيرية، كما استحدثت قسما جديدا في جريدة الإرشاد النفسي (إيسايكو) يحمل عنوان التاريخ النفسي، وفي السياق أدعو أهل الاختصاص إلى المشاركة بالمقال الهادف في القسم الجديد.

كما أني لا زلت أتابع ما يتناوله العلماء في دراستهم لبعض الشخصيات القيادية التي نشأ بعضها على المبادئ الثابتة والقيم الأصيلة والفضائل الإنسانية التي عززت لديهم سمات الشخصية الإيجابية ودعمت قدرتهم على اتخاذ القرار الرشيد .. لينتج عنها قياديا فاعلا بإيجابية نحو تحقيق البناء والتقدم والازدهار في المجتمع، ومن ذلك اطمئن القيادي واستقر نفسيا، فكان توازنه النفسي طبيعة لا اصطناع، فاستمرت المسيرة على الفطرة السليمة طوال الحياة التي انعكست إيجابا على خاتمة ذلك القيادي، فأظهرت وفاته ما كان يجهل عنه الأتباع .. من تلك الأدوار الإنسانية المختلفة التي قام بها من فعل للخيرات ونصرة للمظلوم.
كما تناولت بعض الدراسات قائدا نشأ على الغدر والخيانة والجريمة فأصبح سلبيا في قراراته التي سخرها لهدم وتدمير المجتمع! فعاش حالة من الحزن على الماضي والخوف من المستقبل، وأصبح الشك يجري في دمه، فكان الوسواس منهجا له في تفاعله السلبي مع أقرب المقربين، فانهارت أركان الثقة! وكانت خاتمته مأساوية قد دفعت بالأعداء إلى التعاطف معه والشفقة عليه والتأثر بمهلكه!
ومن خلال المثالين السابقين يتضح الواقع النفسي الذي ترعرت عليه القيادات في الطفولة ليتجسّد على شخصيتهما عند الكبر، فالتنشئة الاجتماعية السوية المتمثلة في الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام، جميعها عوامل رئيسة لها دور فاعل في تكوين وبناء الشخصية، فمعاناة الإنسان واضطهاد الآخرين له في الطفولة تدفعه للانتقام عند الكبر!
ولم يكتفي علماء التاريخ النفسي بذلك فقد تناولوا أيضا من خلال الدراسة والتحليل تلك الدوافع النفسية للجماهير التي انقادت خلف القيادات، وسارت على نهجهم بلا وعي، وقد بذلت تلك الجماهير الغالي والنفيس وسخرت كل الجهود لتنفيذ الاستراتيجيات على أرض الواقع سواء أكانت إيجابية أم سلبية.
كما تناول التاريخ النفسي في منهجيته عملية التحليل النفسي لأهم الأحداث التاريخية في جميع المراحل المختلفة، كأسباب الحروب وما تضمنته من تصريحات استفزازية وتطمينية، واستعدادات هجومية ودفاعية، وكيف أصبح الأول معتديا والآخر مدافعا عن نفسه، وما آلت إليه تلك الحروب من قتل وتشريد وتخلف ودمار.
والحقيقة أن قراءة التاريخ تساعد على فهم الحاضر وتمكن الفرد من استشراف المستقبل! ولكن .. ماذا لو كانت هناك دراسات علمية وتحليل نفسي للماضي بأحداثه وجماعاته وأفراده! فهل سيختلف الواقع الحالي؟ وماذا أيضا عن المستقبل؟ فهل سيكون هناك استعداد لأحداثه ومجرياته انطلاقا من نتائج استشرافه؟ وماذا عن الأجيال القادمة؟ وكيف ستكون حياتهم؟ فهل سيستطيعون التفاعل الإيجابي مع أحداث المستقبل؟ وما هو مستوى تمتعهم بالطاقة النفسية التي تدفعهم نحو العطاء؟ وكذلك القدرة العلمية التي تساعدهم على البقاء؟ أترك لكم الإجابة على تلكم التساؤلات!


وفي ختام المقال أدعو أصحاب القرار الأكاديمي لاستحداث اتجاه جديد في مرحلة الدراسات العليا يتناول دراسة التاريخ النفسي، وكذلك التوجه نحو إعداد البحوث العلمية في المجال نفسه لأهميته في تنشئة الشخصية الإيجابية، وكذلك أهميته في فهم الواقع، والمساعدة على امتصاص الصدمات وتعزيز قدرة الحكومات والشعوب على التكيف مع الأحداث الطارئة والتفاعل معها بمرونة إيجابية تساعدهم على تخطي الأزمات والشدائد والتعافي واستعادة الثقة بالنفس والثبات وتجاهل السلبيات واستكمال المسيرة! أو على أقل تقدير أن يكون هناك مقرر علمي واحد يتناول التاريخ النفسي في قسم علم النفس وكذلك في قسم التاريخ على حد سواء.

الدكتور مرزوق العنزي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق